ياما جارى فى الدنيا ياما جارى
وهذا تعبير مصرى عامى ، ولكننى لا أجد خيرا منه كعنوان لهذا النثار الذى أكتبه عن المجارى ، وللمجارى حكاية فى بلادنا لو كتبت بالإبر على آماق البصر لكانت عبرة لمن أعتبر ، وتبدأ هذه الحكاية بمجارى مكة المكرمة ، فقبل خمسين عاما كلفت أمانة العاصمة فى مكة المكرمة مقاولا اسمه ابراهيم عويس باشا بعمل مجارى مكة المكرمة ، وفعلا نفذ الرجل المشروع ، ولكن عندما شرعت الأمانة فى إيصاله للبيوت أتضح أن قطر قنوات المجارى لا يتسع لتصريف المجارى ، فصرف النظر عنه ، وضاعت الأموال التى صرفت عليه بددا ، وحدث شئ مشابه لذلك فى مدينة الرياض فى بداية الثمانينات الهجرية إذ كلف شخص اسمه الدكتور أحمد عاشور وهو مقاول مصرى بتنفيذ مشروع المجارى ، وهذه المرة لم يلتزم الرجل بالمواصفات ، ومع الأسف لم يكتشف ذلك إلاّ بعد أن قبض كامل مستحقاته ، ويقال أن شيئا من قبيل ذلك حدث فى جدة فى عهد قريب ، وكانت النتيجة أن بقى الجزء الأكبر من مدينة جدة بدون مجارى على الإطلاق ، وتعين على المواطن أن يدفع الثمن ، ثمن أخطاء الآخرين الأمر الذى يصح عليه قول الشاعر
إنىّ وقتلى سليكا ثمّ أعقله
كالثور يضرب لمّا عافت البقر
وهذا البيت من شواهد النحو ، والشاهد فيه نصب الفعل بأن المضمرة جوازا بعد ثمّ ، ومع الأسف لا أحد فى الأمانة أو مصلحة المجارى يفهم ما الشاهد وحتى ما النحو ، ما علينا فليس هذا من اختصاصهم ، ويكفى أن يكونوا على علم بما كلفوا به ، وهو أمر أصبحت أشك فيه بعد أن أصدرت الأمانة قرارا بإلزام سائقى وايتات شفط المجارى بإلقاء نفاياتها فى مكان بعيد وناء عن جدة يستغرق الذهاب إليه والعودة منه ست ساعات كما قال لى السائق الذى طالبنى بمضاعفة أجرته ، وبحسبة بسيطة وجدت أن علىّ أن أدفع له ألفى ريال فى الشهر فقبلت ذلك مرغما ، ولكن هل يقبل الآخرون خاصة إذا كانوا يعجزون عن دفع هذا المبلغ ؟ تلك هى المسألة ، وأخشى أن تكون النتيجة عدم نزح المجارى ونقلها أولا بأول وبالتالى فيضانها فى الشارع ، وهو وضع ينطبق عليه المثل القائل : " أراد أن يكحلها فأعماها " أو قول القائل " أراد أن يعربه فأعجمه " وقد يقال أن البلدية قد اتخذت قرارها هذا حرصا على صحة المواطن فاختارت لالقاء النفايات أبعد مكان عن جدة حتى لو كان ذلك فى الربع الخالى وهو منطق سقيم لا يستقيم مع أىّ منطق إذ لابد أن تكون هناك بدائل علمية لهذا الخيار الذى اختارته الأمانة ، ثم أن القاعدة التى ينهض عليها اتخاذ أى قرار هى مدى قدرة المواطن على تنفيذه ، والمثل يقول : " إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع " ، فهل خطر شئ من ذلك فى ذهن الأمانة حينما أتخذت هذا القرار ، لا أظن ، كما أننى لا أملك ذرة من الأمل فى أن يتراجع المسئولون فيها عن قرارهم أو يعيدوا النظر فيه على أساس من القاعدة الشرعية التى تقرر أنه : " لا ضرر ولا ضرار " ، فهم ـ فيما عرفته عنهم ـ لا يملكون القدرة على حسم الأمور والبت فيها ، ولهذا أدعو المواطنين إلى الاعتصام بالصبر والدعاء