"حديــث المجــنـون"

الفصل الأول

الحب المحرم

ع.خ:-

الحب المحرّم هو الحب/الشغف:

"امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبّا …" ( يوسف : 30 )

الحب / الشغف يقع خارج دائرة الزواج:

"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة .." (الروم : 21).

ولم يقل حبا. والحب/الشغف هو الهوى .

مالك شبل:- (1)

الحب، المحبة، العلاقة، الهوى، الصبوة، الصبابة، الشغف، المقة، الوجد، الصلت، التيم(2)، العشق، الجوى، الدّنف، الشجو، الشوق، الخلابة، البلابل، التباريح، السّدم ، الغمرات، الوهل، الشجن، اللاعج، الاكتئاب، الوصب، الحزن، الكمه، اللذع، الحرق، الشهد، الأرق، اللهف، الحنين، الاستكانة، التبالة، اللوعة، الفتون، الجنون، اللّم، الخبل، الرّسيس، الداء المخامر، الود، الخلة، الخلم، الغرام، الهيام، التدليه، الوله، التعبّد. (3)

ــــــــــــــــــ

(1) مالك شبل

MALEK CHEBEL.

Encyclope'die de l'Amour en Islam.

Payot, Paris 1995.

(2) التيم: تام فلانا: أستعبده، وذهب بعقله . (المعجم الوسيط).

(3) وردت هذه المترادفات في مقدمة الكتاب الفرنسي باللغة العربية.

 

 

 

 

 

الثعالبي:

كتاب فقه اللغة وسرّ العربيّة :

في ترتيب الحب وتفصيله :

أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب، ثمّ الكلف وهو شدّة الحب، ثم العشق وهم اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب، ثمّ الشغف وهو إحراق القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج فإنّ تلك حرقة الهوى وهذا هو الهوى المحرق، ثمّ الشغف وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب وهي جلدة دونه (وقد قرئتا جميعا شعف وشغف)، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، ثمّ التيّم وهو أن يستعبده الحب (ومنه سمى تيم الله أي عبدا لله) ومنه رجل متيّم، ثمّ التبل وهو أن يسقمه الهوى (ومنه رجل متبول)، ثمّ التدليه وهو ذهاب العقل من الهوى (ومنه رجل مدلّه)، ثم الهيوم وهو أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه (ومنه رجل هائم).

ع.خ:-

ومن مصطلحات الصوفية:ـ

الاصطلام : نوع وله يرد على القلب فيسكن تحت سلطانه.

المـحـق : فناؤك في عينيه.

الذهــاب : غيبة القلب عن حسّ كل محسوس بمشاهدة محبوبه كائنا المحبوب ما كان.

 

 

 

قـرآن كريــم : ـ

"ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة : 190)

"وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين" (البقرة : 195)

"ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد .." (البقرة : 205)

"فإذا تطهرن فأتوهنّ من حيث أمركم الله ان الله يحب التوابين …

ويحب المتطهرين" (البقرة : 222)

"أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه . ." (الحجرات : 12)

"فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه …" (المائدة : 54)

"ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"(آل عمران : 188)

"يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا .." (الحشر : 9)

"إن هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا .." (الإنسان : 27)

"ومن النّاس من يتخذ من دون الله أندادا يحبّونهم كحب الله .." (البقرة : 165)

"وانّه لحبّ الخير لشديد" (العاديات : 8)

"ويحبّون المال حبّا جّما .." (الفجر : 20)

"ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا .." (الإنسان : 8)

"ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله.." (التوبة : 24)

"إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منّا .." (يوسف :8)

"قال ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه" (يوسف: 33)

"وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني .." (طه : 39)

………… الخ.

 

ع.خ:-

الحب المحرم يمثل مشكلة للمجتمع خاصة إذا تم إشهاره والبوح به، إنّه خروج عن النّص، وتحدّ للعرف، لهذا فإن المجتمع يحاربه، ويشهر كل الأسلحة للقضاء عليه، بما في ذلك استنفار الوالي وتحريضه على إباحة دم العشيق (مجنون ليلى)، والمشكلة لا يمكن حلها بالزواج طالما تم إشهار الحب، ففي ذلك الفضيحة والعار. وليس ثمّة فروق بين المجتمع البدوي والحضري، والمجتمعات القديمة والحديثة، لأنّ الحب لا بد أن يكون محرّما في كل زمان ومكان، وإلاّ لما اعتبر حبّا شغفا. قد يستبيح المجتمع حبا كان محرما في الماضي، ولكن تظل أو تستجدّ أنواع أخرى من الحب المحرم.

والعشق يفضي بصاحبه إلى طريق مسدود:

1. الموت غمّا وكمدا وحسرة ويأسا:

مجنون، عزيزة، شمس النهار، علي ابن بكّار (شخوص من ألف ليلة وليلة).

2. الانتحار: فرتر.

3. الغدر والتنكيل بالمعشوق الممتنع: امرأة العزيز.

و لا يجب أن ننسى في هذا الصدد أشنباخ بطل رواية "موت في البندقية" للكاتب الألماني توماس مان، إنّه الآخر كتم عاطفة محرّمة (أصبحت فيما بعد مباحة). وانتهى الأمر به الى الموت شغفا ويأسا، ولم يمت من الكوليرا التي لم يهرب منها.

مدام بوفاري (فلوبير) تطلعت إلى الحب الرومانطيقي الذي قرأت عنه، وبحثت عنه، ولم تجده، وكان مآلها الانتحار.

وآنا كارنينا: ألم تنتحر هي الأخرى أشنع وأبشع انتحار تحت عجلات القطار الحديدية، أما رصيفتها التي جاءت بعدها بسنين، في عصر الحداثة، بعد أن أصبح هذا النوع من الحب مباحاً و مستباحاً و التي خانت زوجها و هربت مع عشيقها من روسيا إلى إيطاليا، فقد عادت بعد زمن الى روسيا و الى زوجها ، و كأن شيئا لم يكن، والزوج اعتبر الأمر كأن لم يحدث (رواية سانت بترسبورج ، للكاتب الروسي بييلي) (الرواية ظهرت قبل الثورة البلشفية).

 

 

ألف ليلة و ليلة: -

ومما يحكى: (1) انه كان في بني عذره رجل ظريف لا يخلو من العشق يوما واحداً، فاتفق له أنّه أحبّ امرأة جميلة من الحيّ، فراسلها أياما وهي لا تزال تجفوه وتصد عنه، إلى أن أضرّ به الغرام والوجد والهيام، فمرض مرضا شديدا، واشتهر بالعشق ذكره، ولزم الوساد وجفا الرقاد، وازداد سقمه، وعظم ألمه حتى كاد أن يموت، ولم تزل أهلها و أهله يسألونها أن تزوره، وهي تأبى، إلى أن أشرف على الموت، فأخبروها بذلك فرقّت له، وأنعمت عليه بالزيارة، فلما نظرها تحدرت عيناه بالدموع، و أنشد عن قلب مصدوع:-

بعيشك إن مرّت عليك جنـازتي وقد رفعت من فوق أعناق أربع

أما تتبعين النعش حتى تسلـمي على قبر ميت في الحفيرة مودع

فلما سمعت كلامه بكت بكاءً شديداً، وقالت له: والله ما كنت أظن أنه بلغ بك الغرام إلى أن يلقيك بين أيدي الحمام، ولو علمت بذلك لساعدتك على حالك وتمتّعت بوصالك، فلما سمع كلامها صارت دموعه كالسحاب الماطر، وأنشد قول الشاعر:-

دنت حين حال الموت بيني وبينها وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل

ثمّ شهق شهقة فمات، فوقعت عليه تلثمه وتبكي، ولم تزل تبكي حتى وقعت مغشياً

ـــــــــــــــــــ

(1) ألف ليلة و ليلة: طبعة صادر المأخوذة عن طبعة بولاق ، الجزء الثاني: صفحة 564

عليها عنده، فلما أفاقت أوصت أهلها أنهم يدفنونها في قبره إذا ماتت، ثم أجرت دمع العينين، و أنشدت هذين البيتين:-

كنا على ظهرها والعيش في رغد والحيّ يزهو بنا والدار والوطن

ففرق الدهر والتصـريف ألفـتنا و صار يجمعنا في بطنها الكفن

فلما فرغت من شعرها بكت بكاء شديداً، ولم تزل تبكي وتنوح حتى وقعت مغشياً عليها، و استمرت في غشيتها ثلاثة أيام، ودفنت في قبره، وهذا من عجيب الاتفاق في المحبة.

 

 

 

 

ألف ليلة و ليلة:- (1)

وحكي أنّ إبراهيم بن إسحق، قال: كنت منقطعاً إلى البرامكة، فبينما أنا يوماً في منزلي، و إذا ببابي يدقّ، فخرج غلامي وعاد، وقال: على الباب فتى جميل يستأذن، فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال، إنّ لي مدة أحاول لقاءك، ولي إليك حاجة، فقلت: ما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار، فوضعها بين يديّ، وقال: أسألك أن تقبلها مني، وتضع لي لحناً في بيتين قلتهما، فقلت له أنشدنيهما، فأنشد، وجعل يقول: -

بالله يا طرفي الجاني على كبدي لتطفئنّ بـدمعي لوعة الحـزن

الدهر من جملة العزال في سكني فلا أراه ولـو أدرجت في كفني

قال: فصنعت له لحنا يشبه النوح، ثمّ غنيته، فأغمي عليه حتى ظننت انّه مات، ثمّ أفاق وقال: أعد، فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت، قال: ليت ذلك لو كان، ومازال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته، فصعق صعقة أشد من الأولى، فلم أشك في موته، وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق وجلس، فحمدت الله على سلامته، ووضعت دنانيره بين يديه، وقلت له: خذ مالك وانصرف عنًي، فقال: لا حاجة لي به، ولك مثلها إن أعدت اللحن، فانشرح صدري إلى المال، فقلت له أعيد ولكن بثلاثة شروط:-

أولها أن تقيم عندي، وتأكل طعامي حتى تقوى نفسك، والثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك، والثالث أن تحدّثني بحديثك، ففعل ذلك، ثمّ قال لي: إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزّها، وقد سلكت طريق العقيق مع اخوتي، فرأيت جارية مع فتيات كأنهنّ غصن جلله الندى، تنظر بعينين ما أرتدّ طرفهما إلاّ بنفس

ـــــــــــــــــــــ

(1) طبعة صادر ، الجزء الأول ، صفحة 5 18

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظتهما، فأظللن حتى فرغ النهار، ثم انصرفن، وقد وجدت بقلبي جراحا بطيئة الاندمال، فعدت أتنسّم أخبارها، فلم أجد أحدا، فصرت أتتبعها في الأسواق، فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسى، وحكيت قصتي لذي قرابة لي، فقال: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع قد انقضت، وستمطر السماء فتخرج حينئذ، وأخرج أنا معك، فأفعل مرادك، فاطمأنّت نفسي بذلك، إلى أن سال العقيق، وخرج الناس، فخرجت مع أخوتي وقرابتي، فجلسنا في مجلسنا بعينه، فما لبثنا إلاّ والنسوة أقبلن كفرسي رهان، فقلت لجارية من أقاربي: قولي لهذه الجارية، يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال هذا البيت:-

رمتني بسهم أقصد القلب وأنثنت وقد عاودت جرحا به وندوبا

فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت قولي له: لقد أحسن من قال هذا البيت :-

بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا نرى فرجا يشفي القلوب قريبا

وأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة، وقمت منصرفا، فقامت لقيامي، وتبعتها، فرأتني حتى عرفت منزلها، وصارت تصير إليّ وإليها حتى اجتمعنا، وكثر ذلك حتى شاع وظهر، وعلم أبوها، فلم أزل في خطبتها، فقال: لو بدا لي ذلك قبل أن يفضحها لفعلت، ولكن أشتهر ذلك، فما كنت لأحقق قول الناس …

 

 

 

 

 

ع.خ:-

الحب المحرم :-

ترستان وايزولد:-

وهما بطلا أول أسطورة حب أوروبية، وكأيّ أسطورة - والحب المحرم ينتهي دائما الى أن يصبح أسطورة - فإن أصلها ومصدرها ومنشأها مجهول، يقال أن منشأها سلتيكي (بلاد الشمال الأوروبي)، ولكن هذا مجرد قول غير موثّق. على أن المحقق أن الشعراء البريتنييّن (نسبة إلى مقاطعة بريتاني في فرنسا)، هم أول من تغنّوا بها في أشعارهم في القرن الثاني عشر، وبالذات توماس، ودي بيرول، والأسطورة تحكي علاقة الحب المحرم بين ترستان الذي أرسله الملك مارك ليحضر له ايزولد التي ستصبح زوجة له، أي الملك، وحين يلتقي ترستان بايزولد يصعقه الحب، ونفس الشيء يحدث لأيزولد، ولكن الحب لا يصل الى غايته المتوخاة، فالعوائق تحول بينه وبين ذلك: القانون، المجتمع، العفاف. وحين ينام ترستان مع ايزولد في مكان واحد، يضعان سيفا بينهما، كرمز يفرضه العفاف. (يحدث شئ شبيه بذلك في حكاية غانم وقوت القلوب : ألف ليلة وليلة). ولا يتم التلاقي بينهما إلاّ بعد الموت .

و الأسطورة ألهمت العديد من الشعراء: تنسون وأرنولد وشوينبرن في إنجلترا،

داننزيو في إيطاليا،

على أن الألمان بخاصة هم أكثر من استلهموها: فيلاند وشليجل ثم الموسيقار فاجنر الذي حولها إلى دراما من ثلاثة فصول، ووضع لها موسيقى، وفي هذه الدراما عندما تتقدم ايزولد في فناء الكنيسة نحو زوجها مارك، تكتشف حبّها لترستان الذي أحضرها إلى زوجها، وترستان نفسه يتولّه بها حبّا لا يقل في ضراوته عن حبها، وهو موقف لا سبيل الى الخلاص منه إلاّ بالموت، وتدعو ايزولد ترستان إلى مقاسمتها كأس الردى، ولكن الخادمة برانجاس تسقيهما بدلا منه أكسيرا للحب، ويشربان الإكسير وهما في ذروة الأنتشاء معتقدين أنّهما تحررا من القيود الأرضيّة وحققا الالتقاء والخلود الدائمين. ولكن الملك مارك يدخل عليهما فجأة، وحين يجد ترستان أنه لم يمت، يخترق سيف ميلوت الذي خانه، ويسقط مضرجا بدمائه. ولكنه يسترد حياته بعد أن ينقل إلى قلعة كيرول، على أن الرغبة في لقاء ايزولد تمتلكه من جديد، وينتهي الأمر إلى الموت، وتتبعه ايزولد بعد ذلك بقليل في هذا المصير.

وقد شرع فاجنر في تأليف الدراما في زيورخ عام 1857، وانتهى من تأليفها في لوسرن عام 1859.

دنيس دي رجمان (1)

الشغف هو ذلك الشكل من الحب الذي يرفض الراهن، ويتجافى عن الداني، ويتطلع إلى المستحيل، ويخترعه إذا اقتضى الأمر، ليمجّده، ويزداد به إحساسا، وهذا التعريف ينطبق على معظم الروايات الحقيقيّة، ولا أعني هنا الأعمال العظيمة التي تعارفنا على وضعها تحت هذا المسمّى الأدبي، ولكن تلك التي نجد فيها وحدها، بصرف النظر عن مستواها الفنّي ، أو شهرتها، أو مداها الإنساني نموذج القرون الوسطى الأعلى لترستان.

وإننّي لا أعرف ما اذا كان الشغف يتولد من البعد أو العكس. على أن المحقق هو أنّ الرواية الغربيّة لم تصف قط حتى الآن شغفا يستعر من أجل هدف قريب المتناول،ودانى المزار، ومسموح به أخلاقيا، أو مقبول بعامة.

ـــــــــــــــ

(1) Denis de Rougement.

Les Mythes de l'Amour.

Edition Albin Michel,1961

(2) النصوص الألمانية والفرنسية والإنجليزية ترجمة ع. خ. إلاّ إذا أشير إلى غير ذلك.

 

 

 

 

 

 

 

وبالطبع لا يوجد أيّ شغف متصوّر أو حقيقي في عالم يبيح كل العلاقات. ذلك لأنّ الشغف يفترض دائما وجود طرف ثالث بين الذات والغاية يضع العقبات في طريقهما كالملك مارك الذي يفرّق بين ترستان وايزولد، والعقبة غالبا ما تكون اجتماعيّة (أخلاقيّة ، أو عرفيّة، وحتى سياسيّة) إلى الحدّ الذي لا يمكن أن نفصلها فيه عن المجتمع نفسه.

وفي مجتمع مثل مجتمعنا فإنّ الشغف يمكن أن يواجه محرّمات مهولة، وبالتالي باعثة على البوح به. وأنا أعني هنا المجتمع الغربي الذي يتكون من أوروبا، ويمتد إلى روسيا وأمريكا، وهي مجتمعات تكوّنت وتشكّلت من خلال الجدل الفكري عبر قرون بين المقدّس والدّهري، المقدّس الذي يخلق المحرمات، والدّهري الذي يتولّد من العدوان عليها، وكذلك أيضا بين الحكمة والسياسة، الاستحقاق والمزية، والصوفية والمثالية، والإيمان والعلم، والنسبي والمطلق، وأخيرا الحب/الشغف، والزواج.(1)

……………

 

… ولهذا فإنّ الحب/الشغف يشكّل مرّة بعد مرّة صرخة احتجاج ضد المجتمع.(2)،

وكل شغف يتغذّى من النفي، لأنه يتلبّس الشذوذ ويعاني منه. إنّ الشغف ينفي ذلك الذي يحياه.(3)

… الحب/الشغف، دون كل أنواع الحب، هو من يعير نفسه للحكاية .

إنّ الحب الحسّي المحض، أو الحب الأخوي، ليسا حقيقيين إلا في تحققّهما، ووصفهما يبعث على الملل. إنّ الشغف الايروتيكي يتحقق أولا في الخلم. ولكن لا يتحقق وجوده البتّة إلا في الشطحات الشعريّة للحكاية .(4)

ـــــــــــــــ

(1) روجمان : صفحة 51 ، 52.

(2) نفسه : صفحة 82.

(3) نفسه : صفحة 84.

(4) نفسه: ص.86.

 

 

 

 

 

 

 

نتشه : ـ (1)

- ليس الزخم، وإنما المدى الذي تتمادى إليه العاطفة السامية، هو الذي يخلق الإنسان السامي.

- من يصل إلى مثله الأعلى ، يتجاوزه أيضا في نفس الآن.

- قلب رهين، روح طليقة، حين يرهن الانسان قلبه بشدة، ويبقيه رهينا، فإنّ روحه تحلّق، قلت ذلك قبلا، ولكن لن يصدقني حقا إلا الذي عرف ذلك قبلا.

- قد يحدث أن يكون تنامي الحسيّة أسرع من نمو الحبّ، ولكنّ جذورها تظل ضعيفة، من السهل انتزاعها.

- وحتى التسرّي قد فسد، بالزواج .

- الإنسان الذي لا يعرف كيف يجد الطريق إلى مثله الأعلى، يعيش حياة أكثر طيشا وأقل حياء من الانسان الذي ليس له مثل أعلى.

- من الحواس بدنيا يتأتّى الاحتمال، والوعي الذكي، وكل شواهد الحقيقة.

- في الانتقام كما في الحب، المرأة أكثر وحشيّة من الرجل .

- أطهر كلمة سمعتها: "في الحب الحقيقي، الروح هي التي تغلف الجسم". (2)

  1.  

  2. ما تعتبره حقبة ما كشرّ، يشكل ردا لا تاريخيّا مضادا لما كان يعتبر خيرا، أي إرث مثل أعلى سابق .

_______________________

  1.  
  2. Nietzche.
  3. Spruche Und Zwischenspiele.

    Jenseites Von Gut Und Bose.

    Viertas Hauptstuck.

  1. الكلمات التي بين قوسين في نص نتشة مكتوبة باللغة الفرنسية.

 

 

 

 

- ما يفعله الانسان مدفوعا بالحبّ، يقع دائما خارج الخير والشر.

- الإحساس بالمأساوي ينمو ويضمر من خلال الحساسيّة.

- الجنون نادر عند الأفراد، ولكنّه القاعدة في حقب معينة عند الجماعات، والأحزاب، والشعوب.

- الحب يضع تحت الضوء الشمائل السامية والخفيّة للحب، ما يحمله في دخيلته من نادر وغريب، الأمر الذي يجعلنا نجهل ما العادي عنده.

  1.  

  2. الإنسان في نهاية المطاف يحب رغبته، وليس المستهدف من هذه الرغبة.

 

 

 

 

ع.خ:-

المجنون: هولدرلين: -

1770 ـ 1843

شاعر ألمانيا العظيم، والشاعر الأثير عندي، هو وريلكة، من بين الشعراء الألمان، وقد أصيب بالجنون في عام 1806، وظل كذلك إلى أن مات وقد توفى أبوه وهو صغير، وربته أمه وجدته تربية دينية، وهيأته أمه ليصبح قسيسا، فدرس الدين في توبنجين، حيث تزامل مع هيجل وشلنج، وتخرج في عام 1792، وفي هذا الحين بدأت بوادر الجنون تظهر عليه، مما يعني أن الجنون أطبق على حياته طيلة خمسين عاما، وفي شتوتجارت عام 1793، حيث أنهى امتحاناته الأخيرة التقى شلر الذي أضفى عليه جناح رعايته، ووجد له وظيفة معلم لدى شارلوت دي كالب (1793-1794) في مدينة فالتر شاوزين، وقد ترك هذه المدينة بعد أن فشل في وظيفته، وذهب إلى بيينا وبقى فيها حتى عام 1795 متابعا فيها محاضرات فشتة، وقد التقى جوتة في فايمر، إلا أن هذا الأخير لم يعبأ به، ولهذا لم تتوطّد أي علاقة بينهما، وأنا أعتبر أن هولدرلن كشاعر أعظم من جوتة، وأكثر أصالة منه، على أنّ جوتة بالطبع كان أكثر حظا منه، من حيث الشهرة وذيوع الصيت، والاستحواذ على المجد، خاصة وأنه كان في الوقت نفسه رجل دولة ناجح.

وفي عام 1796 حصل نتيجة لمساعي هيجل على وظيفة معلم خاص لابن واحد من رجال البنوك في فرانكفورت اسمه كونتارد، وهنا أطبق عليه الحب/الشغف، الحب/المحرّم، إذ تولّه بوالدة تلميذه سوزان كونتارد، وألّف فيها أشعارا تحت اسم ديوتيما (وهذه -كما هو معروف- التي علمت سقراط فن الحب).

وانتهى هذا الحب، كما هو متوقع، إلى طريق مسدود، واضطر مكرها إلى قطع حباله أو رمامه، وغادر فرانكفورت ليبدأ حياة طويلة من التجوال والغربة في فرنسا وغيرها، ليعود ويلقي مرساه في توبنجين، حيث عاش فترة في مصحة، ثم آواه أحد النجارين، وفي السبعة والثلاثين من أخريات حياته غيّر اسمه ، وعُرف باسم سكاردينالي.

وقد شغف بالأدب الإغريقي، وتأثر به في شعره، وترجم مسرحيتي أوديب، وانتيجوني لسوفوكليس.

ديــوتــيما

ميتا منذ حين، ومنكفئا في قرارة النفس،

يحتفل القلب بالكون الوضاء،

وتزهو غصونه، وتتنامى،

مرة أخرى أحيا سعيدا،

مثل الأزهار التي تتفتح،

مخترقة براعمها الصلدة

00000

أيتها الروح الفتّانة، ديوتيما،

تلك التي انتزعتني من فجيعة العيش،

نحو الشباب الدائم

إنّ سماءنا وجدت كي تبقى،

وروحانا قبل أن تتلاقى،

تلاقت من قبل.

00000

أيها الحماس، هل نلقى فيك،

قبرا وضّاءا ،

كي نغيب في قرارة أمواجك،

وحين تحين الساعة،

نصحو بكبرياء جديدة،

وننثني مثل الأنجم،

إلى ليل الحياة القصير.

 

وهذه مقطوعات من شعره التي نظمها أثناء الجنون : ـ

الــهــنــاء

سعدت بهناء العيش،

وبلهنية الصبا، متى كان ذلك؟

بعيد العهد: أبريل، مايو، ويونيو،

لم أعد كما كنت، والحياة لم تعد طيّبة،

وانتهى الوجود.

ســبل الحــياة

شتى سبل الحياة.

كالطرق، وتحدرات الجبال،

وما نكونه، يصعد إلى الإله،

برأفة أبدية، وسلام مقيم.

الجـــمال

الجمال وقف على الطفولة،

على الأرجح، صورة السناء الأسمى،

الصمت والسكون،

الذي تزهو به الملائكة.

 

الــفــراق

أبوسعك؟ ونحن على فراق

أن أظلّ محلاّ لذكراك،

هذا إذا وسع الماضي

أن يضفي بعد عليك البقاء،

قل لي اذا : أين يتم اللقاء،

في هذي الجنان؟ التي تجرى فيها، بعيدا عن زمن القسوة والحداد،

الأنهار الوضاءة للبدء الأول.

OSCAR WILDE.

I AM THE LOVE THAT DARE NOT SPEAK ITS NAME.

أوسكار وايلد : -

أنا الحب الذي لا يجرؤ على ذكر اسمه.

ع.خ:-

ذلك هو الحب المحرّم.

 
اذهـب الى الفـصل الثاني
 
عودة الى الصفحة الرئيسية