الأنثى واللغة ـ 1


الدكتور عبد الله الغذامى صديق أعتز بصداقته وناقد أعتبره من طليعة نقادنا ، وطالما نافحت عنه إزاء الكتاب الذين تصدّوا لنقده صادرين فى نقدهم عن نظرة ضيقة أو تعصب أو غيرة ، ولكن هذا لا يمنعنى أحيانا من مسآءلته ونقده ، والأشارة إلى بعض معايبه ، وكفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه ، ومن هذه المعايب أو العيوب إيهام القارىء حينما يطرح أىّ قضية بأنّ هذا الطرح جديد لم يسبقه إليه أحد مع أنّ القضية مستهلكة ومهترئة وقتلت بحثا وإجترارا ، ومن هذه القضايا قضية " الأنثى واللغة " القديمة قدم التاريخ نفسه ، ولن أعود إلى هذا التاريخ البعيد ، وحسبى أن أرجع إلى أهم منعطف تاريخى لهذه القضية فى عصرنا الحاضر ، وذلكم هو المؤتمر العالمى الذى عقد تحت عنوان " الجنس واللغة " فى أبسالا فى السويد عام 1978 ، وقد صدرت عن هذا المؤتمر عدة إبحاث بعدّة لغات ، ونشرت فيما بعد فى العديد من المجلات العلمية . ثم صدرت بعد ذلك عدّة كتب عن هذا الموضوع من أهمها كتاب " النساء واللغة " وهو باللغة الفرنسية وعنوانه بها : " Les Femmes et Le Langage " لمؤلفته فيرينا أبيشير Aebischer ، وقد صدر عن دار نشر PUF فى باريس عام 1985 ، والمبحث فى هذا الكتاب وفى المقالات التى كتبت عن الأنثى واللغة ينطلق من فكرة عدم إمتلاك الأنثى للغة وهو موقف أعتبر من البداية عنصريا يهمّش الأنثى ويصنفها ضمن الأقليات المضطهدة ، صحيح أن الأنسان وصف الأنثى منذ القدم بالثرثرة ، ولكن هناك فرق بين الثرثرة واللغة بأعتبار أنّ الثرثرة لا تنتمى ألى اللغة بأعتبارها آلة لإنتاج المعنى . ووصف المرأة بالثرثرة سحيق وطاعن فى القدم ويتردد فى جميع الثقافات ، ويكفى أن أذكر بعض الأمثلة على ذلك : ـ ـ " إن وظيفة الأنثى فى الحياة تافهة ، وهى الثرثرة

وهو بيت شعر للشاعرة اورورا لى

حيث توجد المرأة لا يوجد الصمت " : مثل شعبى فرنسى

الكلام سيف المرأة الذى لا تتركه يصدأ " مثل صينى

أنّ الغيد يكتسبن منذ وقت مبكر ثرثرة محببة

وهى كلمة لجان جاك روسو

والشاعر الأرلندى الأنجليزى اوسكار وايلد يقول

" أن النساء جنس خلق للزينة

وليس لديهن أبدا ما يمكن أن يقلنه

ولكنهنّ يقلنه بدلال

وشكسبير يقول فى مسرحيّة : " كما تحبها
حينما يخطر لى أن أتكلم
ألا تعرف حينئذ أننى إمرأة
وهذا مقطع من أغنية فرنسية يعود تاريخها إلى عام 1857

أن تقول أنّ المرأة ليست ثرثارة
فذلك هو المستحيل
وسأعود الى هذا الكتاب بشىء من التفصيل فيما بعد


الأنثى واللغة ـ 2


وإستمرارا لحديثنا عن الأنثى واللغة فقد قلت فى نثار سابق أن الأنسان وصف الأنثى منذ القدم بالثرثرة وهى كما قلت لا تنتمى إلى اللغة من حيث أنها أداة لإنتاج المعنى ، وفيما يلى ترجمة لأغنية فرنسية قديمة يرجع تاريخها إلى عام 1875 : ـ

بوسع المرء أن يجعل المحصل بشوشا

والمرابى كريما

والأنانى مؤثرا

والجبان شجاعا

والمدّعى الكهل معقولا

والمموّل المالى رقيقا

ولكن أن نجعل المرأة منطقية

فهذا هو المستحيل

والمرأة تذهب لزيارة جارتها للثرثرة وحسب

وللنميمة ، كما هو متوقع

حول كلّ تفاهات الحى

وتحشر أنفها فى كلّ شىء ، وكلّ شىء يعنيها

وتضع أصبعها فى كلّ شىء

أن تقول أنّ المرأة ليست ثرثارة

فهذا هو المستحيل

والشاعر الأميركى الأنجليزى ت. س . اليوت يقول : ـ

والنساء يذهبن ويجئن

ويتحدثن عن مايكل أنجلو

والشاعر صلاح عبد الصبور أقتبس هذا البيت فى مسرحيته " ليلى والمجنون " قائلا : ـ

سعيد : النسوة يتحدثن .. يرحن ، يجئن

يذكرن مايكل أنجلو

حسان : ما هذا ؟

سعيد " بيت للشاعر إليوت

حسان : ما معناه ؟

سعيد : معناه أن " المرأة " العصرية

تحشو نصف الرأس الأعلى بالحذلقة البراقة

كى تعلى من قيمة نصف … الأسفل

والإشكالية الكبرى فى التاريخ هى أن أى نعت أطلقه ويطلقه الرجل على المراة فى التاريخ يتحوّل إلى صفة بيولوجية ملازمة لها ، ولا تستطيـع بالطبـع أن

تتخلص منها ، وهو موقف يتسم بالعنصرية ، بل إنّ الأضطهاد العنصرى الذى تعرضت له المرأة عبر التاريخ هو أشد من الأضطهاد الذى تعرضت له الأقليات الأخرى كالزنوج وغيرهم ، وللكلام بقية


 

عودة الى مجموعة المتنوعة

 

عودة الى الصفحة الرئيسية